محمد طاهر الكردي
567
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
والغريب أن أصنام قريش ثبتت في أماكنها واستقرت في مواضعها بعد هذه الحيلة ، وعجزت عن أن تخلص من قيودها الرصاصية تلك فلم تراها قريش بعد ذلك إلا قائمة مكانها ، حتى كان يوم من الأيام رأتها فيه وقد تحطمت تحطيما . قال ابن هشام : وحدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له عن ابن شهاب الزهري ، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه ، عن ابن عباس ، قال : دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته ، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص ، فجعل يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول : " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " . فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع إلى قفاه ، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه ، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع . فقال تميم بن أسد الخزاعي في ذلك : وفي الأصنام معتبر وعلم * لمن يرجو الثواب أو العقابا انتهى من هامش السيرة . عبادة الأصنام وبيوتها لدى بعض الأمم ولقد ذكر العلامة المسعودي في تاريخه المسمى " بمروج الذهب ومعادن الجوهر " تفصيلات وافية عن البيوت المعظمة والهياكل وبيوت النيران والأصنام ، التي كانت عند بعض الأمم كاليونانيين والروم والصقالبة والصائبة والفرس . نذكر منها ما يناسب مبحثنا هذا فقط ، فلو نقلنا عنه جميع ما ذكره لطال بنا الكلام . وإليك ما جاء فيه : كان كثير من أهل الهند والصين وغيرهم من الطوائف ، يعتقدون أن اللّه عز وجل جسم وأن الملائكة أجسام لها أقدار ، وأن اللّه تعالى وملائكته احتجبوا بالسماء ، فدعاهم ذلك إلى أن اتخذوا تماثيل وأصناما على صورة الباري عز وجل ، وبعضها على صورة الملائكة مختلفة القدود والأشكال ، ومنها على صورة الإنسان ، وعلى خلافها من الصور ، يعبدونها وقربوا لها القرابين ونذروا لها النذور ، لشبهها عندهم بالباري تعالى وقربها منه ، فأقاموا على ذلك برهة من الزمان وجملة من الأعصار ، حتى نبههم بعض حكمائهم على أن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام المرئية إلى اللّه تعالى وأنها حية ناطقة ، وأن الملائكة تختلف فيما بينها وبين